أبي حيان الأندلسي
102
تفسير البحر المحيط
لقائل ذلك أن يسلك مذهب الكوفيين في أن أفعل التفضيل ينتصب المفعول به ، فالقوانس عندهم منصوب بأضرب نصب المفعول به ، وإنما تأويله بضرب القوانس قول البصريين ، ولذلك ذهب بعض النحويين إلى أن قوله * ( أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ ) * من منصوبة بأعلم نصب المفعول به ، ولو كثر وجود مثل . واضرب منا بالسيوف القوانسا لكنا نقيسه ويكون معناه صحيحاً لأن أفعل التفضيل مضمن معنى المصدر فيعمل بذلك التضمين ، ألا ترى أن المعنى يزيد ضربنا بالسيوف القوانسا على ضرب غيرنا ، ولما ذكر قوله ليعلم مشعراً باختلاف في أمرهم عقب بأنه تعالى هو الذي يقص شيئاً فشيئاً على رسوله صلى الله عليه وسلم ) خبرهم * ( بِالْحَقّ ) * أي على وجه الصدق ، وجاء لفظ * ( نَحْنُ نَقُصُّ ) * موازياً لقوله لنعلم . ثم قال * ( بِرَبّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ ) * ففيه إضافة الرب وهو السيد والناظر في مصلحة عبيده ، ولم يأت التركيب * ( ءامَنُواْ ) * بناء للأشعار بتلك الرتبة وهي أنهم مربوبون له مملوكون . ثم قال : * ( وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ) * ولم يأت التركيب وزادهم لما في لفظة نا من العظمة والجلال ، وزيادته تعالى لهم * ( هُدًى ) * هو تيسيرهم للعمل الصالح والانقطاع إليه ومباعدة الناس والزهد في الدنيا ، وهذه زيادة في الإيمان الذي حصل لهم . وفي التحرير * ( زِدْنَاهُمْ ) * ثمرات * ( هُدًى ) * أو يقيناً قولان ، وما حصلت به الزيادة امتثال المأمور وترك المنهي ، أو إنطاق الكلب لهم بأنه هو على ما هم عليه من الإيمان ، أو إنزال ملك عليهم بالتبشير والتثبيت وإخبارهم بظهور نبي من العرب يكون الدين به كله لله فآمنوا به قبل بعثه أقوال ملخصة من التحرير . * ( وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ ) * ثبتناها وقوّيناها على الصبر على هجرة الوطن والنعيم والفرار بالدين إلى غار في مكان قفر لا أنيس به ولا ماء ولا طعام ، ولما كان الفزع وخوف النفس يشبه بالتناسب الانحلال حسن في شدة النفس وقوّة التصميم أن تشبه الربط ، ومنه فلان رابط الجأش إذا كانت نفسه لا تتفرق عند الفزع والحرب . وقال تعالى : * ( إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ) * والعامل في * ( أَن رَّبَطْنَا ) * أي ربطنا حين * ( قَامُواْ ) * ، ويحتمل القيام أن يكون مقامهم بين يديّ الملك الكافر دقيانوس ، فإنه مقام محتاج إلى الربط على القلب حيث صلبوا عليه وخلعوا دينه ورفضوا في ذات الله هيبته ، ويحتمل أن يكون عبارة عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله ومنابذة الناس كما يقال : قام فلان إلى كذا إذا اعتزم عليه بغاية الجد . وقال الكرماني : * ( قَامُواْ ) * على أرجلهم . وقيل : * ( قَامُواْ ) * يدعون الناس سرّاً . وقال عطاء * ( قَامُواْ ) * عند قيامهم من النوم قالوا وقيل : * ( قَامُواْ ) * على إيمانهم . وقال صاحب الغنيان : * ( إِذْ قَامُواْ ) * بين يديّ الملك فتحركت هرة . وقيل : فأرة ففزع دقيانوس فنظر بعضهم إلى بعض فلم يتمالكوا أن قالوا * ( رَبُّنَا رَبُّ * السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ ) * وكان قومهم عباد أصنام ، وما أحسن ما وحدوا الله بأن ربهم هو موجد السماوات والأرض المتصرّف فيها على ما يشاء ، ثم أكدوا هذا التوجيد بالبراءة من إله غيره بلفظ النفي المستغرق تأبيد الزمان على قول . واللام في * ( لَقَدِ ) * لام توكيد و * ( إِذَا ) * حرف جواب وجزاء ، أي * ( لَّقَدْ قُلْنَا ) * لن ندعو من دونه إلهاً قولاً * ( شَطَطًا ) * أي ذا شطط وهو التعدي والجور ، فشططاً نعت لمصدر محذوف إما على الحذف كما قدرناه ، وإما على الوصف به على جهة المبالغة . وقيل : مفعول به بقلنا . وقال قتادة : * ( شَطَطًا ) * كذباً . وقال أبو زيد : خطأً . * ( هَؤُلاء قَوْمُنَا اتَّخَذْواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَإِذِ ) * . ولما وحدوا الله تعالى ورفضوا ما دونه من الآلهة أخذوا في ذم قومهم وسوء فعلهم وأنهم لا حجة لهم في عبادة غير الله ، ثم عظموا جرم من افترى على الله كذباً وهذه المقالة يحتمل أن قالوها في مقامهم بين يديّ الملك تقبيحاً لما هو وقومهم عليه وذلك أبلغ في التبرّي من عبادة الأصنام ، وأفتّ في عضد الملك إذا اجترؤوا عليه بذم ما هو عليه ، ويحتمل أن قالوا ذلك عند قيامهم للأمر الذي عزموا عليه و * ( هَؤُلاء ) * مبتدأ . و * ( قَوْمُنَا ) * قال الحوفي : خبر و * ( اتَّخَذُواْ ) * في موضع الحال . وقال الزمخشري : وتبعه أبو البقاء : * ( قَوْمُنَا ) * عطف بيان و * ( اتَّخَذُواْ ) * في موضع الخبر . والضمير في * ( مِن دُونِهِ ) * عائد على الله